أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

317

العقد الفريد

لعمر بن عبد العزيز في الحجاج : ولما مات الحجاج دخل الناس على الوليد يعزّونه ويثنون على الحجاج خيرا ، وعنده عمر بن عبد العزيز : فالتفت إليه ليقول فيه ما يقول الناس ، فقال : يا أمير المؤمنين ، وهل كان الحجاج إلا رجلا منا ؟ فرضيها منه . أخبار البرامكة لابن هارون فيهم : قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، حدثني سهل بن هارون ، قال : واللّه إن كانوا سجعوا الخطب ، وقرضوا القريض لعيال على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر ابن يحيى ؛ ولو كان كلام يتصور درّا ، أو يحيله المنطق السري جوهرا ، لكان كلامهما والمنتقى من لفظهما ؛ ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد وبديهته وتوقيعاته في كتبه - فدمين « 1 » عييّين ، وجاهليين أمّيين ؛ ولقد عمّرت معهم وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم ؛ وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم ، ولم تكن مقصورة إلا عليهم ، ولا انقادت إلا لهم ؛ وأنهم محض الأيام ، ولباب « 2 » الكرام وملح الأنام ، عتق « 3 » منظر وجودة مخبر ، وجزالة منطق ، وسهولة لفظ ، ونزاعة أنفس ، واكتمال خصال ؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم والمأثور من خصالهم كثير أيام سواهم من لدن آدم أبيهم إلى النفخ في الصور وانبعاث أهل القبور - حاشا أنبياء اللّه المكرمين ، وأهل وحيه المرسلين لما باهت « 4 » إلا بهم ، ولا عوّلت إلا عليهم ، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم ، وكريم أعراقهم ، وسعة آفاقهم ، ورونق سياقهم ، ومعسول مذاقهم ، وبهاء إشراقهم ، ونقاوة أعراضهم ، وتهذيب أغراضهم ، واكتمال الخير فيهم - في جنب محاسن الرشيد كالنقطة في البحر ، والخردلة في المهمة « 5 » القفر .

--> ( 1 ) رجل فدم : ثقيل الفهم : عيي . ( 2 ) اللباب : خالص كل شيء . ( 3 ) العتق : النجابة . ( 4 ) باهت : ضجّت . ( 5 ) المهمة : المفازة البعيدة والبلد المقفر .